محمد جواد مغنية
48
في ظلال نهج البلاغة
* ( بَخِلَ وَاسْتَغْنى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى فَسَنُيَسِّرُه ُ لِلْعُسْرى ) * - 10 الليل . ( فبادروا بأعمالكم إلخ ) . . هذا تفسير وتأكيد لما تقدم في نفس الخطبة ، وهو قوله : من يتق اللَّه يجعل له مخرجا . . . ويخلده فيما اشتهت نفسه . . . فاسعوا في فكاك رقابكم إلخ ) . . وخلاصته : لن تنالوا الفوز بجوار اللَّه ورسله ، وزيارة ملائكته ، وسلامة الروح والبدن من العذاب والأتعاب إلا بالسير على الطريق السوي ، والعمل الشريف ، وكف الأذى عن الناس ، والوقوف عند حدود اللَّه وحرامه . الانسان ابن الدنيا : وتسأل : انك أشرت قبل لحظة إلى أن أعلى صوت في نهج البلاغة هو التحذير من الدنيا ، ولا شك في ذلك ، ولكن الإنسان ابن الأرض وجزء من الطبيعة ، وهي تفرض عليه أشياءها وأغراضها ، ولا مفر إلا أن يتأثر بها ، ويسمع لها ويطيع . . حتى النبات والحيوان والجماد تتأثر بالطبيعة ، وتتفاعل معها ، وتأخذ منها اللون والحجم والحركة والسكون ، وأي كائن يستطيع الخروج من عالمه وواقعه مهما كانت طاقته وقدرته ، والإمام أعرف الناس بهذه الحقيقة ، وقد أشار إليها في الكثير من أقواله ، ومن ذلك قوله : « الناس أبناء الدنيا ، ولا يلام المرء على حب أمه » . واذن فبأي شيء تجمع بين قوله هذا وقوله : « أحذركم الدنيا فإنها غرارة ضرارة ، أكالة غوالة . . تميد بأهلها ميدان السفينة تقصفها العواصف في لجج البحار » . وأمثال هذا في كلام الإمام طويل وكثير . الجواب : أولا : إن قوله : « لا يلام » ليس معناه لا يكلَّف ، وانما هو مجرد بيان لسبب الحب . ثانيا : أجل ، لا مفر من مطالب الحياة إلا بالموت . . وعلى الإنسان أن يسعى لها سعيها ، ومن قصر وأهمل فهو مسؤول عن تقصيره ، وممقوت عند اللَّه والناس ، وقد اشتهر عن الإمام قوله : « اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا » . ومن آيات اللَّه سبحانه : * ( « وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا ) * - 77 القصص » . وقال الرسول الأعظم ( ص ) : « ليس خيركم من ترك الحياة وطيباتها لغيره » . ولا يختلف